علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

15

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى لأن الأعمى لا يهتدي لرشد ، وربما وقع في مهلكة وكذلك الكافر والجاهل لا يهتديان للرشد وهما واقعان في المهلكة إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني إنما يتعظ ذوو العقول السليمة الصحيحة ، وهم الذين ينتفعون بالمواعظ والأذكار . قوله عز وجل الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ يعني الذي عاهدهم عليه وهو القيام بما أمرهم به ، وفرضه عليهم وأصل العهد حفظ الشيء ، ومراعاته حالا بعد حال وقيل أراد بالعهد ما أخذه على أولاد آدم حين أخرجهم من صلبه ، وأخذ عليهم العهد والميثاق وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ بل يوفون به فهو توكيد لقوله الذين يوفون بعهد اللّه وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ قال ابن عباس : يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل يعني يصل بينهم بالإيمان ولا يفرق بين أحد منهم والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم عن عبد الرحمن بن عوف . قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « قال اللّه تبارك وتعالى : أنا اللّه وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته أو قال بتتّه » أخرجه أبو داود والترمذي ( ق ) . عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله اللّه ومن قطعني قطعه اللّه » ( خ ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه » صلة الرحم مبرة الأهل والأقارب والإحسان إليهم وضده القطع ، قوله : وان ينسأ له في أثره الأثر هنا الأجل سمي الأجل أثرا لأنه تابع للحياة وسابقها . ومعنى ينسأ : يؤخر والمراد به تأخير الأجل . وهو على وجهين : أحدهما أن يبارك اللّه في عمره فكأنما قد زاد فيه . والثاني أن يزيده في عمره زيادة حقيقية واللّه يفعل ما يشاء ( ق ) عن جبير بن مطعم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا يدخل الجنة قاطع » في رواية سفيان يعني « قاطع رحم » ( خ ) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « ليس الواصل بالمكافئ الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فان صلة الرحم محبة في الأهل ومثراة في المال ومنسأة في الأثر » أخرجه الترمذي . وقوله تعالى : وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني أنهم مع وفائهم بعهد اللّه وميثاقه والقيام بما أمر اللّه به من صلة الرحم يخشون ربهم ، والخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ تقدم معناه . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 22 إلى 28 ] وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( 22 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 ) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ ( 26 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ( 27 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) وَالَّذِينَ صَبَرُوا يعني على طاعة اللّه وقال ابن عباس : على أمر اللّه . وقال عطاء : على المصائب والنوائب . وقيل : صبروا عن الشهوات وعن المعاصي وقيل : حمله على العموم أولى فيدخل فيه الصبر على جميع النوائب والمأمورات من سائر العبادات والطاعات ، وجميع أعمال البر وترك جميع المنهيات فيدخل فيه ترك جميع المعاصي من الحسد والحقد والغيبة ، وغير ذلك من المنهيات ، ويدخل فيه الصبر عن المباحات مثل